محمد بن جرير الطبري
257
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
قال : أخبرني إسماعيل بن شروس ، أنه سمع وهب بن منبه يقول : جاء حواري عيسى ابن ميم إلى مدينة أصحاب الكهف ، فأراد أن يدخلها ، فقيل له : إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له . فكره أن يدخلها ، فأتى حماما ، فكان فيه قريبا من تلك المدينة ، فكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام . ورأى صاحب الحمام في حمامه الركة ودر عليه الرزق ، فجعل يعرض عليه الاسلام ، وجعل يسترسل إليه ، وعلقه فتية من أهل المدنية ، وجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة ، حتى آمنوا به وصدقوه ، وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة . وكان يشترط على صاحب الحمام أن الليل لي لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت ، فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك ، وتدخل معك هذه النكداء ؟ ! فاستحيا ، فذهب فرجع مرة أخرى ، فقال له مثل ذلك ، فسبه وانتهره ولم يلتفت تحتي دخل ودخلت معه المرأة ، فماتا في الحمام جميعا . فأتى الملك ، فقيل له : قتل صاحب الحمام ابنك ! فالتمس ، فلم يقدر عليه هربا ، قال : من كان يصحبه ؟ فسموا الفتية ، فالتمسوا ، فانطلق معهم الكلب ، حتى أواهم الليل إلى الكهف ، فدخلوه ، فقالوا : نبيت ههنا الليلة ، ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم ، فضرب على آذانهم . فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف ، فكلما أراد رجل أن يدخل أرعب ، فلم يطق أحد أن يدخله ، فقال قائل : أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال : بلى ! قال : فابن عليهم باب الكهف ، ودعهم فيه يموتوا عطشا وجوعا ، ففعل . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) * . يعني جل ثناؤه بقوله : فضربنا على آذانهم في الكهف : فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف : أي ألقينا عليهم النوم ، كما يقول القائل لآخر : ضربك الله بالفالج ، بمعنى ابتلاه الله به ، وأرسله عليه . وقوله : سنين عددا يعني سنين معدودة ، ونصب العدد بقوله فضربنا . وقوله : ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى يقول : ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا من رقدتهم ، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث ، أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا